فخر الدين الرازي
290
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أيضاً حاضر ، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين ، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلًا ، وهذا آخر الكلام في هذا البحث . واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم ، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولا بد من ذكرها وهي خمسة : أحدها : روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال : كنت جالساً عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال : يا أبا عثمان سمعت واللّه اليوم بالكفر ، فقال : لا تعجل بالكفر ، وما سمعت ؟ قال : سمعت هاشماً الأوقص يقول : إن تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] وقوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] إلى قوله : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [ المدثر : 26 ] إن هذا / ليس في أم الكتاب واللّه تعالى يقول : حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ [ الزخرف : 1 ، 2 ] إلى قوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [ الزخرف : 4 ] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان ، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل علي فقال واللّه لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم ، ولا على الوليد من لوم ، فلما سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك ، هذا واللّه الذي قال معاذ فدخل بالإسلام وخرج بالكفر . وحكي أيضاً أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 22 ] فقال له أخبرني عن تَبَّتْ أكانت في اللوح المحفوظ ؟ فقال عمرو : ليس هكذا كانت ، بل كانت : تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل ، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة : فغضب عمرو وقال : إن علم اللّه ليس بشيطان ، إن علم اللّه لا يضر ولا ينفع . وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن . وثانيها : روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر ، أن رجلًا قام إليه فقال : يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم اللّه فلم نجد منه بداً ، فغضب ثم قال سبحان اللّه العظيم ، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على اللّه على فعلها . حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : مثل علم اللّه فيكم كمثل السماء التي أظلتكم ، والأرض التي أقلتكم ، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم اللّه تعالى ، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم اللّه تعالى عليها . واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة ، والغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك ، وذلك لأنه متناقض وفاسد ، أما المتناقض فلأن قوله : « وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم اللّه » صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض ، وأما أنه فاسد ، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان ، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئاً من الأعمال ، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل ، وجل منصب الرسالة عنه . وثالثها : الحديثان المشهوران في هذا الباب : أما الحديث الأول : فهو ما روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدق : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل اللّه إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات ، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ، فو اللّه الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » وحكى